القرطبي

231

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فإنما أباح التيمم عند عدم كل جزء من ماء ، لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه ، سواء كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه . ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء ، فلما ( 1 ) كان كذلك لم يجز التيمم مع وجوده . وهذا مذهب الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه ، واستدلوا على ذلك بأخبار ضعيفة يأتي ذكرها في سورة ( الفرقان ) ، وهناك يأتي القول في الماء إن شاء الله تعالى . الرابعة والثلاثون - قوله تعالى : ( فتيمموا ) التيمم مما خصت به هذه الأمة توسعة عليها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ) وذكر الحديث ، وقد تقدم ذكر نزوله ، وذلك بسبب القلادة حسبما بيناه . وقد تقدم ذكر الأسباب التي تبيحه ، والكلام ها هنا في معناه لغة وشرعا ، وفي صفته وكيفيته وما يتيمم به وله ، ومن يجوز له التيمم ، وشروط التيمم إلى غير ذلك من أحكامه . فالتيمم لغة هو القصد . تيممت الشئ قصدته ، وتيممت الصعيد تعمدته ، وتيممته برمحي وسهمي أي قصدته دون من سواه . وأنشد الخليل ( 2 ) : يممته الرمح شزرا ( 3 ) ثم قلت له * هذي البسالة ( 4 ) لا لعب الزحاليق ( 5 ) قال الخليل : من قال [ في هذا البيت ( 6 ) ] أممته فقد أخطأ ، لأنه قال : ( شزرا ) ولا يكون الشزر إلا من ناحية ولم يقصد به أمامه . وقال امرؤ القيس : تيممتها ( 7 ) من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال

--> ( 1 ) في ج : فلو . ( 2 ) القائل هو عامر بن مالك ملاعب الأسنة ، يعنى به ضرار بن عمرو الضبي . ( 3 ) الشزر ( بمعجمة وزاي ساكنة ) : النظر عن اليمين والشمال ، وليس بمستقيم الطريقة . وقيل : هو النظر بمؤخر العين كالمعرض المتغضب . ( 4 ) كذا في الأصول . وفى اللسان : ( المروءة ) . ( 5 ) الزحاليق ؟ : جمع زحلوقة ، وهي آثار تزلج الصبيان من فوق إلى أسفل . ( 6 ) من ج وط . ( 7 ) كذا في الأصول وهي رواية . والمشهور كما في ديوانه وشرح الشواهد لسيبويه : ( تنورتها ) : أي نظرت إلى نارها من أذرعات . و ( أذرعات ) بلد في أطراف الشام ، يجاور أرض البلقاء وعمان ، ينسب إليه الخمر . ويثرب : مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله .